دورة درة التأويل وغرة التنزيل – متشابهات سورة الأعراف

يونيو 14, 2020| abdelaty elsayed

دورة درة التأويل وغرة التنزيل
متشابهات سورة الأعراف
د. محمود شمس
تفريغ سمر الأرناؤوط حصريا لموقع إسلاميات

قصة لوط:
(فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين) في سورة النمل
(إلا امرأته كانت من الغابرين) في سورة الأعراف
سورة النمل تنزلت فيها آيات قصة لوط قبل الآيات التي تنزلت في الأعراف، (فقدرناها) اي في تقدير الله تبارك وتعالى أنها تكون من الغابرين فهذا تقدير الله عز وجل لها وهذا قدر الله فيها لأن الله تبارك وتعالى خلق كل شيء فقدره تقديرا ولذلك قلت في هذا الدرس أن الله تبارك وتعالى عندما ذكر أن إبليس اللعن قال (أنظرني إلى يوم يبعثون) قال (إنك من المنظرين) لم يستجب الله تعالى له وإنما أخبره أنه من المنظرين، أنت في علم الله سابقا من المنظرين وإلا لو كانت استجابة لطلب إبليس لقال له: أنظرتك.
إذن قدرناها وقعت في سورة انمل بيانا لحكم الله فيها ولما تنزلت آيات سورة الأعراف قال الله تعالى فيها (إلا امرأته كانت) كانت في تقديرنا السابق، الله تبارك وتعالى يستعمل كانت هنا لبيان أنها في تقدير الله كانت من الغابرين.
(وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) في سورة الأعراف
في سورة النمل (فساء مطر المنذرين)
السياق في سورة النمل سياق تعنيف وإنذار لأنه من البديا قال لهم (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) فالتعنيف أشد فلما كان التعنيف أشد قال (فساء مطر المنذرين) ساء مطر المنذرين مطرهم هو التعنيف المناسب لقصة لوط في سورة النمل
أما في سورة الأعراف عندما قال تعالى (ما سبقكم منها من أحد من العالمين) هذا دليل على فحش وإجرام بل يقال عنه اجترام لأنه افتعال لأنهم لم يُسبقوا به فكونكم تفكرون في هذا ولم تسبقوا منه من قبل لو أنكم سبقتيم لقلنا إنكم تقلدون ما قبلكم لكن حين تبتدعون هذا الفحش وهذا الإجرام، الناس تطلق الإجرام على من يأتي بشيء لن يُسبق به فكان المناسب هنا لمناسبة قول الله تعالى (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) المناسب (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين).
—————————
في قول الله تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾ الأعراف)
والآية التي تشابهت مع هذه الآية في سورة يونس في قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴿٧٤﴾ يونس)
التشابه اللفظي ورد في 3 مواضع في هذه الآيات:
زيادة (به) في سورة يونس (بما كذبوا به من قبل) بينما لم تذكر (به) في موضع الأعراف (بما كذبوا من قبل)
في الموضع الثاني (كذلك يطبع الله) ذكر لفظ الجلالة في سورة الأعراف وفي سورة يونس قال (كذلك نطبع) بنون التعظيم والفاعل ضمير مستتر تقديره (نحن)
الموضع الثالث: ختام الآية (على قلوب الكافرين) في الأعراف و(على قلوب المعتدين) في سورة يونس.
لماذا لم ترد (به) في موضع الأعراف، عندما نقرأ السياق نجد أن القصص السابقة على هذه الآية (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) القصة السابقة قصة شعيب قال تعالى فيها (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ (بِهِ) وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا) وفيها (وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت (به)) فلما سبقت بقوله (أرسلت به) وقال الله (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾ الأعراف) حذفت (به) للدلالة السابقة عليها، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل، كذبوا بالذي أرسل به المرسلون فعندما قال سابقا (آمنوا بالذي أرسلت به) فحذفت هنا لأن ذكرها يكون تكرارا لا داعي له فالسياق القرآني وحدة واحدة ويحتاج أن يكون هناك ربط بين الموضع والسياق.
(وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي ارسلت به وطائفة لم يؤمنون) ما قال (به) في الثانية مع أنهم لم يؤمنوا به ذكرت في البداية فقط والتكرار يكون له فائدة أما التكرار الذي لا فائدة منه فالقرآن يحذفه.
القرآن الذي فيه الفائدة ورد كثيرا في القرآن الكريم مثلا (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) تكررت كلمة أنهار وكان يمكن أن يعطف ما بعدها عليها لكن هنا التكرار له دلالة، الناس تعرف أن الأنهار من ماء، هذا معلوم للجميع، لكن أنهار من لبن؟! لم يرى أحد أنهارا من لبن أو أنهارا من عسل أو أنهارا من خمر فالله تعالى يذكر كلمة أنهار ليبين أنها أنهار حقيقية ليست مبالغة، التكرار هنا له دلالة ليؤكد على أنها أنهار حقيقية.
تكررت كلمة (أولئك) في قوله تعالى (فإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ليس تكرار أولئك للتأكيد فقط إنما له دلالة في المعنى. لو حذفنا أولئك الثانية لاختلف المعنى فكان: أولك الذين كفروا ربهم وأغلال في أعناقهم أي كفروا مضطرين ومقهورين، هم لم يكونوا يريدون الكفر، والله تبارك وتعالى ذكر حكم من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا وقلبه مطمئن بالإيمان ) إذن لو حذفنا (أولئك) الثانية يختل المعنى تماما.
لو حذفنا الثالثة: أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأصحاب النار هم فيها خالدون، يختل المعنى أيضا لأنها جعلت كأن أصحاب النار أناس غير المذكورين في الآية الذين كفروا بربهم فكأنهم آخرون فلا بد من (اولئك) الثالثة حتى يتبين المعنى أن هؤلاء جمعوا ثلاثة أمور: كفروا بربهم، ويوم القيامة ستكون الأغلال في أعناقهم، وسيكونون أصحاب النار هم فيها خالدون. التكرار قد يكون له فائدة ولا يوجد كلمة في القرآن إلا ولها فائدة في المعنى، لا بد من فائدة وأحيانا لو حذفنا الحرف المكرر يختل المعنى.
أما في آية سورة يونس فلم يكن هناك دليل على وجود (به) فذكرها القرآن في موضع سورة يونس (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل)
أما (كذلك يطبع الله) (وكذلك نطبع على قلوب المعتدين)
في آية الأعراف السياق الذي تقدم الآية سياق انتقال من إظهار إلى إضمار ومن إضمار إلى إظهار، فسبقت الآية بقوله (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٩٦﴾ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿٩٧﴾ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩٨﴾ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩٩﴾ الأعراف) (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله) إظهار ما قال فلا يأمن مكرنا، وذكر الله الطبع في نهاية الآية التالية (ونطبع على قلوبهم وهم لا يسمعون) اضمر الفاعل، لما ذكر لطبع مرة أخرى فكان لا بد من الإظهرا لأنه سبقت (ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) ثم لما تكرر الطبع ذكر الله لفظ الجلال فقال (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين)
(ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) لماذا ختمت بـ(لا يسمعون) مع أن الطبع على القلوب يتناسب معه لا يعقلون؟ الطبع مرحلة أعلى من الختم، هناك ختم وهناك طبع، الختم مرحلة أدنى بالنسبة للطبع الطبع مرحلة أعلى، لو أني أختم ظرفا وضعت مظروف (الورقة التي داخل الظرف هي المظروفة) في ظرف وختمت الظرف حتى لا يفتحه المرسل معه فإذا أردت الدقة والتأكيد أكثر آتي بلاصق قوي فأختم تحت اللاصق وأضع اللاصق القوي زيادة فوق الختم فالطبع مرحلة أعلى من الختم فلأن الطبع مرحلة أعلى من الختم عندما طبع الله على قلوبهم ولأن الطبع أعلى من الختم فإن الله تبارك وتعالى عندما طبع على القلوب أغلق أول مدخل وأول مرحلة توصل الكلام للقلب، أول منفذ ومدخل ليدخل الكلام للقلب هو السمع، فالله تبارك وتعالى أغلق المنفذ الرئيس لأن الطبع مرحلة أعلى ولذلك الطبع لم يستعمل مع البصر إلا في موضع هو في سورة النحل عندما تحدث عن من كفر من بعد إيمانه وقلبه مطمئن بالإيمان (ولكن من شرح بالكفر صدرا) من الذي شرح الصدر بالكفر؟ الكافرون، الله هو الذي شرح صدر المؤمن للإسلام (أفمن شرح الله صدره للإسلام) لكن الكافر هو الذي شرح صدره بالكفر هو الذي وسع صدره بالكفر، هو الذي أخذ باسباب الكفر كلها (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٦﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿١٠٧﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿١٠٨﴾ النحل) كيف يطبع الله على البصر؟ عقوبة البصر الغشاوة لأن الطبع بالمعنى الذي نفهمه لا ينطبق على البصر، فلو بحثنا سنجد أن الطبع يستعمل بمعنى الفساد طبع بمعنى فسد فيقولون على السيف المطبوع أي الذي علاه الصدأ بمعنى أنه فاسد لم يعد يصلح. إذن هنا الفساد وهو الطبع وصل البصيرة التي هي نور القلب. إذن (ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) وقال تعالى (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين).
قال في الأعراف (قلوب الكافرين) القصص السابقة ذكر الله فيها الكفر كثيرا، في قصة صالح (إنا بالذي آمنتم به كافرون) صرّحوا بالكفر كثيرا في القصص المذكورة قبل آية (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين) والآية تتعلق بقصص الأنبياء السابقين فختم الله الآية (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾ الأعراف)
أما في سورة يونس (قلوب المعتدين) مع أنهم كفار، الفرق أن سورة يونس لم يتقدم فيها مواجهة بين نبي وبين قومه كما في سورة الأعراف فسماهم الله معتدين (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) والمعتدي اعتدى على نفسه واعتدى على الله تبارك وتعالى وهو متجرأ على الله جل وعلا.

الاقسام: اسلاميات, محاضرات ولقاءات قرآنية
× تحدث معنا