درة التنزيل وغرة التأويل – ضبط متشابه قصة لوط – د. محمود شمس

يونيو 14, 2020| abdelaty elsayed

درة التنزيل وغرة التأويل – ضبط متشابه قصة لوط – د. محمود شمس
تفريغ سمر الأرناؤوط حصريا لموقع إسلاميات

قصة لوط
(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿٨١﴾ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴿٨٢﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٨٣﴾ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴿٨٤﴾ الأعراف)
الآيات المتشابهة معها
في سورة النمل (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٥٤﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿٥٥﴾ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴿٥٦﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٥٧﴾ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴿٥٨﴾ النمل)
في سورة العنكبوت (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٩﴾ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴿٣٠﴾ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٢﴾ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٣﴾ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٣٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٣٥﴾ العنكبوت)
تشابه لفظي بين المواضع الثلاثة مع أن القصة واحدة إلا أن هناك بعض التعابير اختلفت.
أولا نلحظ بداية الآيات في الأعراف والنمل (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة) وفي العنكبوت (إنكم لتأتون الفاحشة)
قوم لوط كانوا أهل وثنية وأصنام لأن لوطا كان معاصرا لخليل الرحمن إبراهيم وهو ابن أخيه فكانوا من أهل الأصنام قولا واحدا إلا أن الله تبارك وتعالى لم يخاطبهم على لسان لوط كما خاطب الأقوام السابقة على لسان أنبياها فالرسل الآخرون يخاطبهم الله تعالى (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) أما قوم لوط فابتدأت القصة في المواضع الثلاثة (أتأتون الفاحشة) (إنكم لتأتون الفاحشة) وهذا دليل على أن الإنسان المنشغل برغبات نفسه وتأصلت فيه تلك الرغبة وأصبح لها عبدا ينبغي أن نخلّصه من هذه الرغبة ونساعده لأنه لن يستقيم إيمانه بالله ولن تستقيم عبادته لله طالما أنه عبد لشهوته هذه وخاصة إذا كانت شهوة نفس، ولذلك كان الخطاب هنا في المواضع الثلاثة (أتأتون الفاحشة) ابتدأ الله في موضع الأعراف وموضع النمل بهذا الاستفهام الإنكاري ليستنكر إتيانهم هذه الفاحشة وهذا الاستفهام قصد منه التوبيخ والتقريع فما كان ينبغي أن يفعلوا ذلك وما كان ينبغي أن تتعلق أنفسهم بشهواتهم بهذه الطريقة.
وجاء القرآن في موضع العنكبوت ووجدناه يوبخهم بأسلوب آخر ليس بأسلوب الاستفهام الإنكاري وإنما بأسلوب التأكيد بكل المؤكدات (إنّ) والجملة الاسمية واللام في قوله (لتأتون الفاحشة) فهنا توبيخ وتقريع بأسلوب التوكيد (إنكم لتأتون الفاحشة) وسنلحظ سويا في موضع العنكبوت موضع تفصيل وتأكيد على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف وسورة النمل وهذا ما سيتبين لنا. إذن ينكر الله إتيانهم الفاحشة.
يذكر في موضع الأعراف (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) وكذلك في موضع العنكبوت (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) أما في سورة النمل (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون)
قوله (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) أي هذه الفاحشة التي أتيتم بها لم يسبقكم بها ولم يفعلها أحد من البشر من قبلكم فمن أين جاءكم هذا التفكير؟! إلا من أنفسكم الخبيثة، أنفسكم المريضة هي التي فكرت في ذلك لأن الإنسان دائما يقلد غيره في شهواته ورغباته فيما يفعل حتى لو كان يسمع عنها لكن هؤلاء ابتدعوا شهوة ونفذوه تطبيقا عمليا في أنهم يأتون الرجال من دون النساء وهذا لم يسبقوا بها فكأن قوله (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) تشير إلى أن هذا هو الأصل في الإنكار عليهم وتوبيخهم، أنتم فعلتم شيئا لم يأتيه أحد من قبلكم فمن اين أتيتم بهذه الفكرة؟! وهذا هو معنى (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) فجاء السياق والأسلوب في موضعي الأعراف والعنكبوت على الأصل وهو أن الله يوبخهم أن هذا الفعل لم يفعله أحد قبلكم.
لكن خالف الأسلوب في سورة النمل (وأنتم تبصرون) توبيخ أشدّ لهم من فعلهم هذا الفعل من قوله (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) لأن معنى (وأنتم تبصرون) أي يرى بعضكم بعضا تبصرون بعضكم بعضا وأنتم تأتون هذه الفاحشة وبعضكم يبصر البعض الآخر بذلك؟! والأصل في الإنسان أن ما ياه بصره ينكره عقله إن كان فعلا شنيعا وهذا من أشنع الأفعال فهل أنتم لا عقل لكم؟! (وأنتم تبصرون) يرميهم الله تعالى بقلة العقل والسفه كيف يبصر بعضكم بعضا وأنتم تفعلون هذه الفعلة الشنيعة على مرأى من الجميع فأين عقولكم؟ فلماذا كان هذا التشديد في سورة النمل؟ سورة النمل سُبقت هذه القصة بذكر لقطات من قصة نبي الله صالح مع قومه ثمود وأيضا وبّخهم الله تبارك وتعالى على أفعالهم وعلى ما فعلوه في عقر الناقة مع أنه لم يذكرها إلا أنه وبخه توبيخا شديدا (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا) وقبلها (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون) لا يعلمون مكر الله فالله تبارك وتعالى دبر لهم هذا التدبير الخفي الذي ما كانوا يشعرون به ونفس الشعور هو نفي الحدّ الأدنى من العلم عندما نقرأ نفي الشعور في القرآن (لا يشعرون) اعلموا أن الله ينفي عن هؤلاء الحد الأدنى للعلم لأن الشعار هو الملبي الذي يلامس الجسد مباشرة هذا الملبس ينبغي أن يشعر به الجسد لكن لأنه تعود ذلك فكأنه لا يشعر به إلا شيئا قليلا فالله تبارك وتعالى عندما يرميهم بنفي الشعور يريد ذلك فلما وبّخ الله قوم ثمود ذكر توبيخ لوط لأن هناك تناسبا بين ثمود وبين لوط. ما التناسب؟ فجور النفس وعدم معالجة النفس من فجورها فقوم ثمود نفوسهم لم يعالجوا الفجور فيها ولذلك يعدون من أسوأ الأقوام نفوسا قوم ثمود وقوم لوط، قوم ثمود لأنهم رأوا الناقة تخرج أمام أعينهم من الصخرة التي أشاروا إليها ومع ذلك عقروها ولذلك قلنا مرارا أن الله تبارك وتعالى ذكر لقطة وحيدة من قصة ثمود في سورة الشمس بعد أن أقسم بالنفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قال (كذبت ثمود بطغواها) ثمود بالذات لأنهم أفجرالناس نفوسا، قوم عاد لم يصلوا إلى ما وصل إليه قوم ثمود من فجور النفس، قوم ثمود وقوم لوط كان فجور النفس فيهم واضحا، قوم ثمود رأوا الناقة تخرج من الصخرة التي أشاروا إليها، قالوا لصالح أخرج لنا ناقة من هذه الصخرة. وقوم لوط فعلهم الشنيع معروف ولذلك لما وبّخ الله قوم ثمود هذا التوبيخ أراد أن يكر أقوى توبيخ لقوم لوط فأنكر عليهم إتيان الفاحشة وهم يبصرون والإنسان إذا رأى بعينه ما ينكره العقل فإن العقل ينكر كيف سمحتم لأنفسكم أن تبصروا هذا الفعل الشنيع ولم تنكره عقولكم؟! قوم لوط وفعلهم هذه المعصية الشنيعة هم تركوا لأنفسهم عادة الاسترسال في الشهوات والإنسان إذا ترك لنفسه عادة الاسترسال في الشهوة يصبح شهوته لا يشفيها شيء لأن الاسترسال النفس تطلب الجديد وهم كلما طلبت أنفسهم الجديد منحوها ثم تطلب جديدا منحوها ثم وصلوا إلى مرحلة أن شهوتهم لم يعد شيء يشفيها وكذلك الإنسان وذكر الله ذلك في سورة العنكبوت ولا بد من الربط بين موضع العنكبوت والنمل. قال تعالى (أئنكم لتأتون الرجال) هذه المرحلة الأولى، كانوا يأتون بعضهم بعضا خفية ثم بعد ذلك طلبت أنفسهم أمرا عجيبا، طلبت رجالا لا يكونون من أهل القرية رجال جدد لم يروهم قبل ذلك فبدأوا يبحثون فبدأوا يقطعون السبيل يخرجون على الطريق الخارجي ويرون من يسير وهو غريب عن القرية فيأخذونه وفي هذه الأثناء وصلت ملائكة الرحمن وضيوف خليل الرحمن الذين أمرهم الله أن يذهبوا إلى لوط إلى آخر القصة. هذه المرحلة الثانية لأنهم تركوا لأنفسهم الاسترسال في الشهوة والمعصية وهكذا النفس إذا تركها الإنسان تسترسل في الشهوة والمعصية فإنها تطلب المزيد وتطلب الجديد.
بعد قطع السبيل قال الله (وتأتون في ناديكم المنكر) النادي هو محل اجتماع الناس نهارا فكان بعضهم يأتي البعض الآخر أمام الناس علنا في النهار هذا معنى (وتأتون في ناديكم المنكر) وهو نفس معنى (وأنتم تبصرون) إذن جاء التوبيخ الأشد في (وأنتم تبصرون) بسبب أنهم كانوا في المرحلة الأخيرة يأتون بعضهم بعضا في النادي المعروف أنه مكان اجتماع الناس نهارا. أما مكان اجتماع الناس ليلا يسمى السامر، فهنا عندما قال الله تعالى (وأنتم تبصرون) هنا يريد الله أن يوبخهم توبيخا شديدا ويلفت نظرهم أنكم أين عقولكم عندما تفعلون هذه الفعلة الشنيعة ويبصر بعضكم بعضا ولذلك سيترتب على ذلك اختلاف الأسلوب تماما في موضع سورة النمل بسبب قوله لهم (وأنتم تبصرون)
نجد الأسلوب في سورة الأعراف أسلوب هدوء في اتهامهم وفي مواجهتهم كان الأسلوب هادئا أولا عندنا قال الله تبارك وتعالى (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) هذا أقل حدة من (وأنتم تبصرون) لذلك حين قال الله تعالى بعدها (إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء) كيف هذا؟! كيف تأتون الرجال شهوة من دون النساء؟ لأن قوله (من دون النساء) زيادة تشنيع عليهم، كان يكفي التوبيخ بـ(لتأتون الرجال شهوة) ثم قال الله تعالى بعد ذلك (بل أنتم قوم مسرفون) اتهمهم هنا بالإسراف والإسراف مجاوزة الحد، اتهمهم بالإسراف بالجملة الاسمية يدل على أن الإسراف متمكن فيهم ومنهم ولذلك سيجمع الله لهم بين الإسراف والإجرام (وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) فجمع لهم بين الإسراف والإجرام بخلاف سورة النمل.
إذن عندما قال الله (بل أنتم قوم مسرفون ورماهم بالإسراف، الإسراف أقل تهمة من الإجرام لأن الإسراف إسراف في المعصية أما الإجرام فهو ارتكاب الكبائر كلها دون توبة ودون أن يعودوا إلى ربهم (كذلك نجزي القوم المجرمين) فالإجرام فعل الكبائر كلها، الإسراف قد يكون إسرافا في المعصية قد يكون إسرافا في البعد عن الحلال قد يكون إسرافا في فعل الحرام، ويطلق الإسراف على الإنسان باعتبار وضعه وباعتبار فعله فقد يكون الذي يفعل الصغائر مسرفا فيها فهو في خطر أيضا لأنه طالما مسرف فهو لا يترك صغيرة إلا ويفعلها باستمرار. إذن الإسراف مقدمة للإجرام فهم اسرفوا وقال الله بعد ذلك (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) ليجمع لهم بين الإسراف والإجرام وليشير إلى أمر إلى أنهم لم يستفيدوا من اتهامهم بالإسراف الذي هو اقل حدة من الرمي بالجهل لأنهم ماذا كان موقفهم بعد ذلك؟ ذكر الله جوابهم (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم) ردّهم كان فيه الهدوء مثل الاتهام الموجه لهم بخلاف سورة النمل، أولا هنا ذكر ردهم بالواو (وما كان جواب قومه) والواو تفيد مطلق الجميع يعني لم يجيبوا مسرعين فالذي يجيب بسرعة هو الذي يشعر بحدّة الاتهام وبشدة الاتهام إنما لأن الله تبارك وتعالى في هذا الموضع وجّه لهم أنهم قوم مسرفون فكانت إجابتهم بالواو وقالوا (أخرجوهم) لم يذكروا آل لوط بالاسم وإنما ذكروهم بالضمير وهو أمر بإخراجهم أقل حدة من(أخرجوا آل لوط) تبين هذا الهدوء في قولهم (أخرجوهم) لم يذكروا آل لوط بالاسم إنما أشاروا لهم بضمير وهو اقل حدة من أخرجوا آل لوط.
موضع سورة النمل لأن الله قال لهم (وأنتم تبصرون) يعني أنتم تتعامون وهذا التعامي جعل عقولكم لا تدرك جرم ما تفعلون وجعلكم تتصرفون وكأنكم لا عقل لكم، التعامي هو من يرى الشيء ويجعل نفسه لم يره كأنه ما رأى ولا سمع، هذا اسمه التعامي فالله عندما قال لهم (وأنتم تبصرون) اتهمهم بالتعامي واتهمهم بعدم العقل ثم قال لهم (أئنكم تأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون) رماهم بالجهل والجهل لا يوصف به إلا من كان منعدم الراي والعقل وقاسي القلب أيضا، المتجاهل ليس الجهل الذي لا يعلم لأن هناك جاهل يعلم وجاهل لا يعلم فالجاهل الذي يعلم يدّعي أنه جاهل، قال الله (بل أنتم قوم تجهلون) اي متجاهلون أنتم منعدمو الرأي ومنعدموا العقل وقلوبهم قاسية فكان جوابهم سريعا (فما كان جواب قومه) كان جواب قومه بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب والسرعة لأن الاتهام الذي وجّه لهم اتهام قوي وشديد فردوا ردا سريعا (فما كان جواب قومه) ولذلك جاءت الفاء هنا لتدل على ذلك ويظهر هذا ويظهر انفعالهم في الرد عندما قالوا (أخرجوا آل لوط) تأملوا ذكروهم هنا بالاسم ولم يذكروهم بالضمير وهذا رد فعل لما وجّه لهم من قوة اتهام (بل أنتم قوم تجهلون) ردهم كان بالفاء وبذكرهم (أخرجوا آل لوط من قريتكم) بالاسم معناها أنهم في شدة انفعال وفي قوة رد فعل لهم.
لكن في موضعي الأعراف والنمل ختم الله الآيتين ختاما واحدا وهي جملة تعليلية (إنهم أناس يتطهرون) هذه المفروض عقلا أنها صفة مدح وليست صفة ذم لكنهم يقولونها على سبيل الذمّ لأن تطهرهم لا يجعلهم يفعلون معهم ما يريدون بل لأنهم لا يؤيدونهم فيما يفعلون بل لأنهم لم يتركوا لهم الضيوف ليفعلوا لهم كنا أرادوا فاتهموهم بالتطهر مع أن التطهر صفة مدح ولذلك نأخذ من هذه الجملة درسا مهما وفائدة دقيقة في هذه الجملة وهي أن “أهل الباطل يرون التميز في أهل الحق عيبًا”، أحيانا نسمع من بعض الناس اتهاما لبعض الناس أنه يصلّي، هذا تميز وليس عيبا! (إنهم أناس يتطهرون) وهذا في موضع الأعراف وفي موضع النمل.
موضع سورة العنكبوت: قال الله تعالى (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) الأناس هم بعض الناس، الناس أعم من أناس (أنكم لتأتون الرجال) فصّل القرآن ما أجمله في سورتي الأعراف والنمل، لم يقل شهوة من دون النساء كما قال هناك لأنه سيذكر الأمر بالتفصيل وسيبين أن هؤلاء أسوأ الناس نفوسا لأنهم لم يعالجوها من فجورها بل تركوها تسترسل في عاداتها وإذا تركت نفسك تسترسل في عاداتها لن تستطيع إيقافها بعد ذلك بل إن شهوات الدنيا كلها (والشهوة ليست فقط فيما كان يفعله قوم لوط، هناك شهوات عديدة في الدنيا شهوة المال والسلطان والجاه، هذه كلها شهوات قد تكون أسوأ على الإنسان من هذه الشهوة) فذكر الله التفصيل ولذلك كان جواب القوم مختلفا عن السورتين السابقتين (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر) هذا إنكار شديد جدا عليهم وبيان استرسال أنفسهم في الشهوة (إنكم لتأتون الفاحشة) ثم (أئنكم لتأتون الرجال) هذا يسمى الاستفهام المكرر أن يرد استفهامين متتاليين (أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد) (إئنا إذا متنا وكنا ترابا أئنا لمبعوثون) وهذا الاستفهام المكرر القرّاء فيه على مذهبين:
من القراء من يستفهم في الموضعين
ومن القراء من يخبر في الموضع الأول ويستفهم في الموضع الثاني في قرآءة حفصل يخبر في الموضع الأول: إنكم لتأتون، أئنكم ، فمن يخبر في موضع ويستفهم في موضع يجعلون الإنكار يُفهم من الموضع الذي استفهم فيه بالنسبة لما أُخبر فيه، الإنكار موجود في موضع الإخبار نفهمه من الاستفهام التالي أو السابق لكن في سورة العنكبوت الاستفهام الثاني (ائنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل) لم يقرؤه أحد من القراء العشرة بالإخبار بهمزة واحدة أبدا حتى الذين مذهبهم الإخبار في الموضع الثاني يأتي في سورة العنكبوت ويستفهم لإفادة الإنكار الشديد ما يريد أن يجعل الإنكار يؤخذ من المفهوم، الإنطار يؤخذ من الاستفهام الإنكاري المنطوق لشدة الإنكار. في موضع سورة العنكبوت لا يوجد أحد من القراء يقرأ بالإخبار، كل القراء يقرأون بالاستفهام لبيان شدة الإنكار، هذه (إئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر) هنا النفس مرت بثلاث مراحل لأنهم تركوا أنفسهم للاسترسال في حب هذه الشهوة فلما تركوا أنفسهم للاسترسال غلبتهم أنفسهم بعد ذلك ما عادت النفس تقبل المعالجة أصبحوا كالحيوانات أصبحوا يبصرون بعضهم بعضا وهم جالسون في النادي ومع ذلك كان جوابهم على لوط (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اتنا بعذا الله إن كنت من الصادقين) يتهكمون الآن على لوط ويقولون له إن كنت تستطيع أن تأتينا بعذا ائتنا بعذاب الله وهم لا يعلمون أن القادر يستطيع أن يمحوهم من العالم كله ونحن والعالم أجمع يدرك الآن قدرة الله تبارك وتعالى الناس الآن حتى من غير المؤمنين أدركوا قوة الله جل جلاله وقدرة الله تعالى أظهرها في أضعف مخلوق حتى يقولون إنه أضعف أنواع الفيروسات لكن انظروا ماذا فعلو في العالم أجمع، هل استطاعوا أن يقفوا أمام فيروس كورونا بدباباتهم وطيرانهم وبصواريخهم؟! أتاهم الله تبارك وتعالى بشيء ما كانوا يظنون ومع ذلك عجزوا وحتى إن غير المسلمين منهم صرّحوا ويقولون عجز أطباء الأرض وما بقي الأمر إلا إلى السماء. علموا الآن أن هناك إلها في السماء قادر على كل شيء وهو القادر المقتدر فهذه دلالة على كمال قدرة الله تبارك وتعالى ولله حكمة في ذلك. ولذلك ينبغي أن نستثمر هذا الأمر في الدعوة إلى الله لأن الناس هذه اليام مهيأة للدخول في دين الله أفواجا فينبغي أن نقوم بدورنا.
هؤلاء يتهكمون (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) ذكر الله تعالى ردا على هذا في سورة هود (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها) وهم يطلبون عذاب الله تهكما وهذا ينبغي أن يعلمه كل موحّد لله تبارك وتعالى فعلينا أن نقوم بدورنا وأن نبين للناس وأن نبين كيف أن القرآن الكريم وضع العلاج ولذلك المسلمون يخطون في أمر وهو قوة الهلع والفزع، لماذا نفزع ولنا رب نتوكل عليه ونوقن يقينا جازما وعلمنا أن حسن التوكل أن نأخذ بكل الأسباب والنبي صلى الله عليه وسلم أول من طبق الحجر الصحي وأول من نادى بذلك وأول من أمر المؤذن “ألا صلّ,ا في رحالكم” عندما يكون هناك خطر من مطر، هذا ديننا الذي ينبغي أن نعتز به وأن نعلن أننا مسلمون ونعلم بسلوكياتنا وبأخلقنا وبكل ما ينبغي أن يظهر ويُظهر أننا مسلمون لله تبارك وتعالى.

الاقسام: اسلاميات, محاضرات ولقاءات قرآنية
× تحدث معنا